أبي المعالي القونوي

272

شرح الأسماء الحسنى

ثمّ الخلاص عن تعلّقات الغير وتصفيته وهو الحبّ . ثمّ التفاته بالقلب التفات اللّبلابة بالشّجرة حتّى يغيّبه عن غير محبوبه وهو العشق . فالودود هو ثابت الحبّ ، فالحقّ ثابت المحبّة لعباده ، فإنّ الصّانع يحبّ صنعه ، والمحبّ يطلب الرّحمة من المحبوب ، فمقام صبابة الحبّ الإلهيّة أوّل مرحوم ، والصّبابة رقّة الشّوق إلى لقاء المحبوب ، ومن هذه الصّبابة زيّنه بزينة الشّهود ، وأكساه خلعة الوجود ، وأدار أكواس الأفراح بين الشّاهد والمشهود ، فيخاطبهم بإشارات ألحاظ الجمال ، ويخاطبوه بلسان التّحنّن والأحوال . ثمّ قال : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ « 1 » ليكون الأمر مستورا بين المحبّ والمحبوب ، فهو سمع المحبوب وبصره ولسانه وغير ذلك من القوى ، وإن كان خلف حجاب الخرس والطّرش والعمى ، فكلّ فرد من أفراد مراتب الخلق منصّة من منصّات مجالي تجلّيات الحقّ . فمن المحبّين من يعرف محبوبة في الدّنيا معرفة شهود ، فيتلذّذ بلحظاته ويتنعّم في أوقاته . ومنهم من يتوقّف أمره في العرفان حتّى يكشف له الغطاء ، فبان له أنّه كان عين الغطاء ، فالعالم إنسان ، والإنسان عينه ، والمحبوب من الإنسان إنسان العين من العين .

--> ( 1 ) - سورة البروج ( 85 ) : الآية 14 .